مقدمة الكتاب

لم يكن خياري يوماً أن أكتب قصصاً، ولا كان لي طموح أن أغدو معروفاً. ولا ناشطاً، ولا ممرضاً، ولا مقدم برامج، ولا عامل إغاثة في حرب، ولا صاحب شركة، ولا أيّ من الأعمال والمناصب التي شغلتها في حياتي المهنية. جلّ ما أردته كان أن أدخل الجامعة وأدرس علم الآثار لأفعل ما أحب؛ أن أعيش في مستقبلي دون أن أودّع عبق الماضي الكلاسيكي، بل أختاره ملاذاً طوعياً كلما حاصرتني الحداثة القميئة.
عندما صدر كتابي “خلف أسوار بيروت” عقدت العزم على أن يكون كتابي الوحيد واليتيم. أنا لست بكاتب، فلِم تجرّني الحياة الى انتحال مهنةٍ أخرى؟ لكن اقتناص هذه القصص أمسى إدماناً لا هواية، فضعفت نفسي الأمّارة بالبحث، والعالقة في دوامة الحنين والنوستالجيا، حنين الى أيام لم يُقيَّض لها أن تخرج الى الملأ بتفاصيلها وقصصها التي تفعل سحر الحب في وجدان الباحث عنها، فولد لي كتابٌ ثان.
لم يكن خياري أن تسير حياتي كما سارت، لكنها فعلت، فكان تشابه غريب مع أبطال هذه القصص الذين أطاحت بهم متطلبات الحياة الى سكك لم يرتضوها واقعاً، لكنها أمست جزءاً من يومياتهم، بل جزءٌ من تاريخ لبنان ككل، وباتت تلك المنعطفات مأثورات وحوادث يعرفها قليلون ويجهلها كثر.
هذه القصص مجموعة مما تناقلته ألسن الناس وصفحات المصادر، أبطالها جلهم حقيقيون، وإن عارض المرويُّ عنهم المكتوب والموثق تارةً، وناقض كل منطق وتاريخ طوراً. غير أن حيائي منعني من خدش ما ارتضاه الناس لهم من سيرورة وخواتيم فتركتها على حالها.
هذه المجموعة هي مآثر أشخاص اجتمعوا من بيروت الى جبلها، ومن شمالها الى جنوبها، لتشكل حياتهم بوتقة قصص ناكفت التاريخ، وحجزت لها مكاناً فوق أرض لبنان.

sige